مجمع البحوث الاسلامية
290
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حياء وخجلا . و « عين » : جمع عيناء ، أي واسعات العيون ، أو أعينهنّ شديدة البياض والسّواد . ثمّ قال : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، وهذا وصف آخر لهنّ منفصل عن ( قاصرات الطّرف ) ، فلا علاقة له بعيونهنّ ، بل هو وصف لأبدانهنّ ، فينبغي تفسير هذا الوصف التّالي في هذا الإطار . 2 - قيل : إنّه وصف للطافة أبدانهنّ ورقّتها ، تشبيها برقّة غشاء البيضة الدّاخليّ الّذي يلي القشر ، وهو « الغرقئ » ، أو بطن البيضة ، أو تشبيه لونها بلون ذلك الغشاء ، أو تشبيههنّ في بكارتهنّ بها ، لأنّه لم تمسّها الأيدي قبل كسر البيضة . واختاره الطّبرسيّ ، وأيّده بأنّه هو المكنون ، فأمّا القشر فيمسّه الطّائر ، كما أنّ الأيدي تباشرها والعشّ يحويها . 3 - وقيل : تشبيه أبدانها في لونها بلون بيض النّعام ، فهي بيضاء تشوبها صفرة ، وهو أحسن الألوان عند العرب ، فإنّ العرب تشبّه النّساء ببيض النّعام . ووصفت ب « المكنون » لأنّها تكنّها عن الغبار والرّيح والشّمس بريشها ، أو مصونة عن الكسر ، كناية عن كونهنّ عذارى . 4 - وقيل : تشبيههنّ بجملة البيض لا في لونها ، بل في تناسب أجزاء بدنها بعضه ببعض من الشّعر والعين والثّدي والسّنّ وغيرها كالبيضة ، لأنّك تراها حيث جئتها شكلا واحدا ، متناسق الأطراف . وينبغي أن يقال في ( مكنون ) : إنّه مصون من النّقص ، فإنّهنّ مستويات الجسم تماما ، ويبدو أنّه أبعد الوجوه . 5 - وهذه الأقوال كلّها مبنيّة على أنّ « البيض » في الآية بيض الطّائر ، سواء أريد ظاهرها أم باطنها ، وأيّا كان وجه الشّبه ، وقد روت ذلك أمّ سلمة عن النّبيّ عليه السّلام . وقالوا في قبالة هذه الأقوال : إنّها اللّؤلؤ المكنون في صدفه لصفائه ، وأنّ الأيدي لم تمسّها ، وهذا مرويّ عن ابن عبّاس ، وفي رواية أخرى عنه : الجوهر المكنون . ونحن نرجّح هذا الوجه ، لأنّ له شاهدا في القرآن ، وصفا للغلمان وللحور العين : 1 - وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ الطّور : 24 2 - وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ الواقعة : 22 ، 23 ففي ( 2 ) وصفهنّ ، بصفاء أبدانهنّ وتلألؤها وهنّ باكرات . 6 - البيض جمع ، فلم وصف ب « مكنون » وهو مفرد ؟ والجواب عنه بوجوه : الأوّل : أنّه اسم جنس عند بعضهم ، وهو مفرد في حكم الجمع . الثّاني : أنّه لوحظ فيه لفظ « بيض » دون معناه ، قاله الميبديّ ، وهو بعيد . الثّالث : - وهو الأقرب - أنّه مهما كان مفردا أو جمعا لوحظ فيه الرّويّ ، فقبلها « مجنون » ، « معلوم » ، « ينزفون » ، « خلال » ، « المرسلين » ، « الأليم » ، المخلصين » ، « النّعيم » ، « معين » . وبعدها « يتساءلون » ، « مدينون » ، « مطّلعون » ، « خلال » ، « قرين » ، « المصدّقين » ، « الجحيم » ، ونحوها . فالرّويّ في هذه السّورة « نون » و « ميم » مع الواو والياء ، فلاحظها ، ولاحظ « ك ن ن » .